ابن الأثير
458
الكامل في التاريخ
باب المدائن . ارجعوا إلى صاحبكم فأعلموه أنّي مرسل إليه رستم حتى يدفنه ويدفنكم معه في خندق القادسيّة ثمّ أورده بلادكم حتى أشغلكم بأنفسكم بأشدّ ممّا نالكم من سابور . فقام عاصم بن عمرو ليأخذ التراب وقال : أنا أشرفهم ، أنا سيّد هؤلاء ، فحمله على عنقه وخرج إلى راحلته فركبها وأخذ التراب وقال لسعد : أبشر فو اللَّه لقد أعطانا اللَّه أقاليد ملكهم . واشتدّ ذلك على جلساء الملك . وقال الملك لرستم ، وقد حضر عنده من ساباط : ما كنت أرى أنّ في العرب مثل هؤلاء ، ما أنتم بأحسن جوابا منهم ، ولقد صدقني القوم ، لقد وعدوا أمرا ليدركنّه أو ليموتنّ عليه ، على أنّي وجدت أفضلهم أحمقهم حيث حمل التراب على رأسه . فقال رستم : أيّها الملك إنّه أعقلهم ، وتطيّر إلى ذلك وأبصرها دون أصحابه . وخرج رستم من عند الملك غضبان كئيبا وبعث في أثر الوفد وقال لثقته : إن أدركهم الرسول تلافينا أرضنا ، وإن أعجزه سلبكم اللَّه أرضكم . فرجع الرسول من الحيرة بفواتهم ، فقال : ذهب القوم بأرضكم من غير شكّ ، وكان منجّما كاهنا . وأغار سواد بن مالك التميميّ بعد مسير الوفد إلى يزدجرد على النّجاف والفراض ، فاستاق ثلاثمائة دابّة من بين بغل وحمار وثور وأوقرها سمكا ، وصبّح العسكر ، فقسمه سعد بين النّاس ، وهذا يوم الحيتان ، وكانت السرايا تسري لطلب اللّحوم ، فإنّ الطعام كان كثيرا عندهم ، فكانوا يسمّون الأيّام بها : يوم الأباقر ويوم الحيتان . وبعث سعد سريّة أخرى فأغاروا فأصابوا إبلا لبني تغلب والنّمر واستاقوها ومن فيها ، فنحر سعد الإبل وقسمها في النّاس فأخصبوا . وأغار عمرو بن الحارث على النّهرين فاستاق مواشي كثيرة وعاد . وسار رستم من ساباط وجمع آلة الحرب وبعث على مقدّمته الجالينوس في أربعين ألفا ، وخرج هو في ستّين ألفا ، وفي ساقته عشرون ألفا ، وجعل